أبي منصور الماتريدي

245

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

محاجة إلا عن ملك ؛ دل أنه هو الذي كان الملك . والثالث : قال : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ثم قيل « 1 » : إنه جاء برجلين ، فقتل أحدهما ، وترك الآخر . فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم ، إذا كان إبراهيم ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، هو الذي آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ، فدل أن المراد به ذلك الكافر . ثم ( الملك ) يكون في الخلق بأحد أمرين : إما الفضل والشرف والعز والسلطان والدين ، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة . فإن لم يكن له ( الملك ) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال ؛ لذلك كان ما ذكرنا . واللّه أعلم . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : أعطى ( الملك ) ليمتحن به ، كما يعطى الغنى والصحة ليمتحن بهما . وقوله تعالى : إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . وكان هذا من إبراهيم - عليه السلام - واللّه أعلم - عن سؤال سبق منه أن قال له ذلك الكافر : من ربك الذي تدعوني إليه ؟ فقال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وإلا لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه . وهو ما ذكر في قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه ، قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) [ طه ] ، فعلى ذلك الأول . وقوله تعالى : قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ . أنه دعا برجلين ، فقتل أحدهما ، وترك الآخر ، على ما قيل في القصة . قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ . قال بعض الجدليين : هذا من إبراهيم ، عليه السلام ، صرف المحاجة إلى غير ما كان ابتداؤها ، ومثله في الظاهر انقطاع وحيد عن الجواب [ ؛ لأن من حاج آخر شيئا ، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره ، فإذا اشتغل بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها ؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول وهو في الظاهر انقطاع ؛ ] « 2 » لأن جوابه أن يقول : أنا أفعل كما فعلت ، أو أن يقول له : إن هذا الحي كان حيّا ، ولكن أحي هذا الميت . لكنه ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس ؛ لأن ذلك كان منه تمويها وتلبيسا على قومه أخذ به قلوبهم ، فأراد إبراهيم ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، أن

--> ( 1 ) قاله الربيع ومجاهد وابن إسحاق ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 5878 ، 5880 ، 5881 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط .